وهبة الزحيلي

148

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أو الشمع يصرّفه من غير نار ولا طرق . أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ أي وقلنا له اعمل دروعا كوامل تامة ، وهو أول من اتخذها . وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي اجعل النسج متناسبا في الحلق على قدر الحاجة غير مختلفة . و قَدِّرْ : اقتصد ، و السَّرْدِ : النسج ، يقال لصانع الدروع : سرّاد وزرّاد . وَاعْمَلُوا صالِحاً يعود الضمير لداود وأهله أي آل داود . إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ مطلع على كل أعمالكم ، فأجازيكم عليها . المناسبة : لما ذكر اللّه تعالى من ينيب من عباده ، ذكر نماذج ممن أنابوا إلى ربّهم ومنهم داود عليه السلام ، وبيّن ما آتاه اللّه على إنابته ، من النبوة والملك والجنود والزبور والصوت الحسن ، فكانت الجبال والطيور إذا سبّح تسبّح معه ، وعلّمه تعالى صناعة الدروع الحربية للوقاية من الضربات في الحروب . التفسير والبيان : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ يخبر تعالى عما أنعم به على رسوله داود عليه السلام مما آتاه من الفضل المبين ، وجمع له بين النبوة والملك العظيم المتمكن والجنود ، ومنحه من الصوت الرخيم القوي المؤثر ، الذي كان إذا سبّح سبّحت معه الجبال الراسيات ، والطيور السارحات : الغاديات الرائحات ، وتجاوبه بأنواع اللغات . والمعنى : لقد أعطينا داود فضلا عظيما ونعما جليلة ، فقلنا للجبال والطير : رددي معه التسبيح إذا سبّح . جاء في صحيح البخاري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه ، يقرأ من الليل فوقف ، فاستمع لقراءته ، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود » .